ابن كثير

277

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقوله : كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ قال ابن أبي حاتم : أخبرنا أبو سعيد الأشج ، أخبرنا أسباط عن مطرف عن عطية عن ابن عباس قال : قانِتِينَ * مصلين ، وقال عكرمة وأبو مالك : كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ مقرون له بالعبودية ، وقال سعيد بن جبير : كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ، يقول الإخلاص ، وقال الربيع بن أنس : يقول : كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ أي : قائم يوم القيامة ، وقال السدي : كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ أي : مطيعون يوم القيامة ، وقال خصيف عن مجاهد : كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ قال : مطيعون ، كن إنسانا فكان ، وقال : كن حمارا فكان ، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : كل له قانتون مطيعون ، قال : طاعة الكافر في سجود ظله وهو كاره ، وهذا القول عن مجاهد وهو اختيار ابن جرير يجمع الأقوال كلها وهو أن القنوت والطاعة والاستكانة إلى اللّه وهو شرعي وقدري كما قال اللّه تعالى : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ [ الرعد : 15 ] . وقد ورد حديث فيه بيان القنوت في القرآن ما هو المراد به ، كما قال ابن أبي حاتم : أخبرنا يوسف بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة » ، وكذا رواه الإمام أحمد « 1 » : عن حسن بن موسى عن ابن لهيعة عن دراج بإسناده مثله ، ولكن في هذا الإسناد ضعف لا يعتمد عليه ، ورفع هذا الحديث منكر ، وقد يكون من كلام الصحابي أو من دونه ، واللّه أعلم . وقوله تعالى : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي : خالقهما على غير مثال سبق ؛ قال مجاهد والسدي : وهو مقتضى اللغة ، ومنه يقال للشيء المحدث بدعة ، كما جاء في صحيح مسلم : فإن كل محدثة بدعة ، والبدعة على قسمين : تارة تكون بدعة شرعية ، كقوله : « فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة » ، وتارة تكون بدعة لغوية ، كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم : نعمت البدعة هذه . وقال ابن جرير « 2 » : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مبدعهما ، وإنما هو مفعل فصرف إلى فعيل ، كما صرف المؤلم إلى الأليم ، والمسمع إلى السميع ، ومعنى المبدع المنشئ والمحدث ، ما لم يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد ، قال : ولذلك سمي المبتدع في الدين ، مبتدعا لإحداثه فيه ما لم يسبق إليه غيره ، وكذلك كل محدث قولا أو فعلا ، لم يتقدم فيه متقدم ، فإن العرب تسميه مبتدعا ، ومن ذلك قول أعشى بني ثعلبة في مدح هوذة بن علي الحنفي : [ البسيط ] يرعي إلى قول سادات الرجال إذا * أبدوا له الحزم أو ما شاءه ابتدعا « 3 »

--> ( 1 ) مسند أحمد ( ج 3 ص 75 ) ( 2 ) تفسير الطبري 1 / 555 . ( 3 ) البيت للأعشى في ديوانه ص 86 ؛ وتفسير الطبري 1 / 555 .